العلامة المجلسي

199

بحار الأنوار

ومن عجيب أمره أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع ، ثم كان أدناهم إلى التواضع ، وذلك أنه صلى الله عليه وآله كان أوسط الناس نسبا ، وأوفرهم حسبا ، وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم ، وهذه كلها من دواعي الترفع ، ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب ، ويخصف النعل ، ويركب الحمار ، ويعلف الناضح ( 1 ) ، ويجيب دعوة المملوك ، ويجلس في الأرض ، ويأكل في الأرض ( 2 ) ، وكان يدعو إلى الله من غير زبر ولا كهر ( 3 ) ولا زجر ، ولقد أحسن من مدحه في قوله . فما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفى ذمة من محمد ( 4 ) وفي قوله تعالى : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله " أي خزائن رحمته ، أو مقدوراته ، أو أرزاق الخلائق " ولا أعلم الغيب " الذي يختص الله تعالى بعلمه ، وإنما أعلم ما علمني " ولا أقول لكم إني ملك " أي لا أقدر على ما يقدر عليه الملك ، فأشاهد من أمر الله وغيبه ما تشاهده الملائكة " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " يريد ما أخبركم إلا بما أنزل الله إلي ( 5 ) . أقول : الحاصل أني لا أقدر أن آتيكم بمعجزة وآية إلا بما أقدرني الله عليه ، وأذن لي فيه ، ولا أعلم شيئا إلا بتعليمه تعالى ، ولا أعلم شيئا من قبل نفسي إلا بإلهام أو وحي منه تعالى ، ولا أقول : إني مبرأ من الصفات البشرية من الأكل والشرب وغير ذلك . وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : " خذ العفو " أي ما عفا من أموال الناس ، أي ما فضل من النفقة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شئ موقت ، ثم نزلت آية الزكاة فصار منسوخا بها ، وقيل : معناه خذ العفو من أخلاق الناس ،

--> ( 1 ) الناضح : البعير يستقى عليه . ( 2 ) في المصدر : ويأكل على الأرض . ( 3 ) زبره عن الامر : منعه ونهاه عنه ، زبر السائل : انتهره . وفي المصدر : من غير زئر ، وهو من زأر الأسد : صات من صدره . والكهر : استقبالك إنسانا بوجه عابس تهاونا به . ( 4 ) مجمع البيان 2 : 526 و 527 . وفي المنقول اختصار وكذا في ما يأتي . ( 5 ) مجمع البيان 4 : 304 .